الاقتصاد الروسي قادرعلى الصمود امام الازمة المالية العالمية الراهنة

18.09.2008 آخر تحديث [14:41]

كتب اوليغ ميتيايف المعلق الاقتصادي لوكالة " نوفوستي":

أدت اصلاحات السوق التي اجريت في فترة الـ 15 عاما الماضية الى اندماج روسيا في الاقتصاد العالمي. لكن هذا يجلب احيانا السلبيات الى جانب الايجابيات. والآن بات واضحا تماما  ان الازمة المالية العالمية قد شملت روسيا ايضا. فقد تبين ان سوق الاسهم الوطنية هي ليست ظاهرة منعزلة بل تتوقف كليا على التغيرات  في الاوضاع المالية العالمية. كما ان البنوك الروسية تعتمد بدورها على الغرب بقدر كبير. ولم يكن عبثا ان قام البنك المركزي الروسي ووزارة المالية الروسية بفضل اسعار النفط العالية جدا بتكوين " وسادة أمن " ضخمة تحسبا لـ" اليوم الاسود" بشكل استخدام الاحتياطيات المالية الدولية لروسيا الاتحادية.

لقد تواصل عدم الاستقرار في سوق الاسهم الروسية خلال الشهر والنصف والشهرين الماضيين  بسبب وجود ظواهر مماثلة في البورصات العالمية. بيد ان الاسبوع الحالي  يعتبر مهلكا فحسب. ففي البداية اعلن افلاسه في يوم الاثنين بنك ليمان بروذرز وهو احد البنوك الامريكية الكبرى ، وفي وقت لاحق في مساء يوم الثلاثاء جرى انقاذ شركة (AIG) كبرى شركات التأمين الامريكية من الانهيار الكامل بصورة طارئة فقط بمنحها قرضا بمبلغ 85 مليار دولار من قبل منظومة الاحتياط الامريكية.وفي النتيجة ستحصل  الحكومة الامريكية على نسبة 80 بالمائة من مجموع اسهم هذه الشركة.

ان الاسواق المالية العالمية مرتبطة ببعضها البعض، ويعتبر المستثمرون الماليون من أكثر الاطراف ميلاً  نحو المضاربة ،وفي الوقت نفسه الاكثر نرفزة في هذا العالم. ولهذا فان المستثمرين الماليين  الغربيين الذين شعروا بان الامور ليست على مايرام في بلدانهم عاجلوا في " الهرب" من سوق الاسهم الروسية منذ اواخر يوليو/تموز ومطلع أغسطس/آب. بينما أثارت احداث الاسبوع الاخير الفزع التام لديهم. وحدث في اعقاب انهيار الاسواق الامريكية والاوروبية والاسيوية في يوم الثلاثاء 16 سبتمبر/أيلول تراجع مؤشرات الاوراق المالية بشكل لا مثيل له منذ أزمة عام 1998 . وانهار المؤشر الرئيسي لـ " الفيشات الزرق" وهو مؤشر"ار.تي.اس" بنسبة 5ر11 بالمائة. وتوقف بصورة عاجلة التداول بموجب هذا المؤشر بسبب التدهور الهائل في عمليات المضاربة. وحتى هذه اللحظة بلغت قيمة المؤشر 1131 نقطة ، بينما كانت قد بلغت قيمته في مايو/ايار الماضي 2500 نقطة تقريبا.

وتكمن المفارقة في هذا الوضع  في ان الجاذبية  المميزة للشركات الروسية الكبرى – " الفيشات الزرق"- لم تنخفض  بأي قدر. فأن غالبيتها تتألف من شركات قطاع المواد الخام التي تبقى اسعار بضائعها  بمستواها العالي السابق.  ومن الناحية النظرية فان شراء اوراقها المالية  بسعر زهيد ومن ثم انتظار الازمان حين تبلغ الاسعار " العادلة"  ومن ثم بيعها ، سيكون نافعا للغاية.  لكن من المستحيل الآن  تحديد وقت عودة المستثمرين الاجانب الكبار الى سوق الاسهم الروسية.

ان ما يبعث على الأسف ، طبعا ، ان الشركات الروسية الكبرى قد تراجعت قيمة اسهمها بشدة ومنيت بالخسائر. لكن ما العمل فهذه هي قوانين سوق الاوراق المالية التي كانت توصف بشكل صائب اكثر، حسب رأيي ،بأنها سوق الرأسمال الزائف ، وتطلق عليها حاليا تسمية السوق الوهمية.  وقد اقترح بعض خبراء سوق الاوراق المالية منذ فترة وجيزة جدا تقوية الاسهم الروسية عن طريق دعمها باموال الدولة. لكن في هذه الحالة ستتبخر اموال الدولة فحسب ، دون ان تجلب أي دعم الى السوق، كما حدث ذلك في عام 1998 حين جرى استلام قروض من الخارج تحولت الى هرم من سندات قرض حكومية.

ان الانفاق الصائب تماما الذي قام به البنك المركزي الروسي هو في مجال دعم الروبل الروسي لأبقائه في اطر مقبولة. وكان المستثمرون الماليون الاجانب يبيعون  الاوراق الروسية في بورصات الاوراق المالية بالروبل ومن ثم يشترون  الدولارات بها في بورصة العملات الاجنبية بغية تحويلها الى الخارج لاحقا. وفي هذه الظروف فان الدولار الذي تراجعت قيمته كثيرا في الاعوام الثلاثة الاخيرة كان يمكن ان ترتفع قيمته كثيراً ازاء الروبل ، الامر الذي قد يثير القلق بقدر أكبر. لكن البنك المركزي الروسي  دعم الروبل  ولم يسمح له بالتخلي عن مواقعه كثيرا قياسا الى العملة النقدية الامريكية، حيث طرح مليارات الدولارات من خزائنه . وبموجب المعطيات  الاخيرة الواردة اليوم فأن البنك المركزي انفق في الفترة من 29 آب/أغسطس وحتى 5 سبتمبر/ايلول لهذه الاغراض حوالي 9 مليارات دولار: وتقلصت الاحتياطيات النقدية الدولية لروسيا الاتحادية  خلال هذه الفترة من 5ر582 مليار دولار الى 6ر573 مليار. وربما ستتواصل هذه الوتيرة في غضون الاسبوعين القادمين. لكن لا ضير في ذلك ابدا.  فقد جمع البنك المركزي الروسي  خلال الاعوام الاخيرة " وسادة أمن" من العملات الصعبة من اجل تجاوز مثل هذه " الاخفاقات" في السوق. وفي النتيجة استقر سعر العملة الروسية الآن في حدود 5ر25 روبل لكل دولار ، وهو أمر هام من اجل اقامة علاقات اقتصادية خارجية مستقرة، اي بالنسبة الى ارساليات التصدير والاستيراد المتواصلة. كما ان من شأن ذلك ان يجلب الطمأنينة الى جميع رعايا روسيا. ان من الضروري للغاية في الوضع الصعب الناشئ ، ان جاز القول، دعم المنظومة المصرفية الروسية. انها شأنها شأن اي اقتصاد اعتيادي آخر تمثل " منظومة لنقل الدم"  يتوقف عليها عمل جميع  الاقتصاد الوطني العام.  ولا يخفى على أحد  ان البنوك الوطنية  قد احصلت ، من اجل  جذب الاستثمارات  الى اقتصاد روسيا المتطور بصورة عاصفة في الاعوام الاخيرة، كميات كبيرة من القروض من الخارج ، سواء من اجلها ام من اجل الشركات الروسية . وبموجب المعطيات المختلفة  ففي شهر سبتمبر/أيلول فقط  يجب على البنوك والشركات الروسية  ان تسدد مبلغ حوالي 10 مليارات دولار الى المقرضين الاجانب ، بينما ينبغي ان يسدد الربع الاخير من العام مبلغ 45 مليار دولار ، او ان يعيد اقتراض هذه الديون بفوائد أكبر. لكن السيناريو الاخير بعيد الاحتمال بسبب وجود ازمة القروض في الغرب.

مع ذلك فان البنك المركزي ووزارة المالية يبذلان جهدهما من اجل مساعدة البنوك في مجال السيولة النقدية ومعالجة هذه المشكلة.علما بأنه ، وحسب اقوال المسئولين ، لا يتطلب الامر حتى استخدام موارد الاحتياطيات الدولية لروسيا الاتحادية. وبوسع وزارة المالية ان تقدم القروض لها مما يتوفر لديها في الخزانة ، اما البنك المركزي فيقدمها من مبالغ الاحتياطيات الالزامية التي تسددها البنوك نفسها لها.  والآن يقدم البنك المركزي ووزارة المالية سنويا عمليا مئات مليارات الروبلات الى البنوك الروسية.  واعلن البنك المركزي انه يمكن ان يوصل مبالغ ما يقدمه يوميا الى التريليون روبل.

ان السلطات النقدية الروسية تقدم القروض " القصيرة الاجل" الى البنوك الآن. اذ يقدم البنك المركزي القروض لمدة يوم واحد بينما تودع وزارة المالية في الفترة حتى  نهاية العام في البنوك الاموال بشكل ودائع لمدة اسبوع وحتى خمسة اسابيع.  ولكن كلما اقترب موعد نهاية العام  تنبثق بحدة اكبر امام البنوك الروسية الحاجة الى الحصول على " نقود لفترة اطول" من اجل تمويل القروض الاجنبية الطويلة الاجل. لكن هذه المشكلة يمكن حلها.

لقد اعلنت وزارة المالية الروسية في 17 سبتمبر/ايلول ان البنوك الرئيسية مثل بنك التوفير وبنك التجارة الخارجية وغازبروم بنك ستحصل من ميزانية الدولة على الاموال – حتى التريليون و6ر126 مليار روبل – من الميزانية الاتحادية لغرض ايداعها لديها في فترة ثلاثة أشهر او اكثر. كما يمكن ان يقدم البنك المركزي الى البنوك مبلغ تريليوني روبل لفترة حتى نصف عام.    

وانطلاقا من ذلك يمكن الاتفاق كليا مع فلاديمير بوتين رئيس وزراء روسيا الذي أعلن ان لدى الاقتصاد الروسي احتياطكيات كافية للصمود من اجل تجاوز الازمة العالمية.

علما ان اسعار النفط وهي تمثل مصدر العوائد الرئيسية لروسيا بالعملة الصعبة اخذت في الارتفاع. ففي 17 سبتمبر/ايلول ارتفع سعر برميل النفط من صنف دبليو. تي . اي في الاسواق العالمية بحوالي 3 دولارات وبلغ 94 دولارا.

التقويم
2010 مارس
الاثنينالثلاثاءالاربعاءالخميسالجمعةالسبتالاحد
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
293031